الكلمة والحجر
بقلم :سهام البيايضة
دقت ساعة البيت، معلنةً منتصف الليل، نهض أبو ياسر، متوجهاً إلى الغرفة المجاورة، ليتفقد ابنه الذي تأخر في العودة إلى البيت..وما أن استقام في وقفته حتى أفاقت زوجته.
- إلى أين يا أبو ياسر ؟..في هذه الساعة المتأخرة ؟
لم يعر أبو ياسر، زوجته أي انتباه، وهو متجهً مباشرةً إلى غرفة ولده ياسر..فتح باب الغرفة.. نظر إلى السرير الفارغ.. أغلق باب الغرفة،ثم عاد إلى غرفة المعيشة .
نظر ابو ياسر، بقلق إلى زوجته التي وجدها تقف في الممر المؤدي إلى غرف النوم ، مدركةً، أن الأب لم يجد ياسر.
الأم:ابننا بات يغيب كثيراً عن البيت، هذه الأيام !
-الأب:هناك ما يخطط له هو وأصدقائه..انه اليوم الثالث لغيابه .وقبل يومين كانت هناك مسيرة شبابية، ينادون بالإصلاح..انه الربيع العربي الذي يتحدثون عنه !
الأم:لا تقلق عليه..ولدي ربيته أحسن تربيه ..عندما يحضر ..اجلس إليه واستمع،..أولادنا، زماننا غير زمانهم ..وأنت تعلم ذلك .
هز الأب رأسه موافقاً، يحاول أن يقلل من صوت نقاشهما ،حتى لا يوقظ البنتان في الغرفة المجاورة، وان ذلك سوف يوسع دائرة النقاش ويزيد من التوتر في البيت.
أبو ياسر :حسناً ..سأفعل ذلك ..عودي إلى فراشك..سأحاول أن اقرأ في كتابي بعض الصفحات !
ذهبت أم ياسر إلى فراشها وقد تملكها القلق على فلذة كبدها، تبتهل إلى الله أن يحمٍي ابنها الوحيد.
مضى أكثر من ستة أشهر والأوضاع العامة ،تنبئ بعدم الاستقرار ،يرافقه قلق شديد ينتاب الأب الذي تظهر عليه الحيرة ،فما عساه فاعلاً ،قبل أن يفقد ابنه في هذه الظروف الصعبة ؟ .
تناول أبو ياسر كتباً من رف مكتبته، وجلس يطالع به.. حتى عاد النعاس يداعب جفونه، وما أن هم بالعودة إلى فراشه، حتى سمع صوت قفل الباب الخارجي.. لحظات، وظهر ابنه من باب الصالون وقد بدت عليه آثار التعب وضمادات بيضاء تلف رأسه كعصبة عجوز.
تجمد الأب مرعوبا من هيئة ابنه ..وقد عرف سبب الضمادات والعصبة..
الأب: أين كنت يا ولد؟ ولماذا كل هذا الغياب عن البيت ؟..هل نسيت أن لك عائلة تخاف وتقلق عليك ؟ألا تملك أي مشاعر تجاه أختيك وأمك الصابرة ؟
صمت ياسر ..يحاول عدم الخوض في نقاش، يمكن أن يتطور إلى شجار، يوقظ أمه وأختيه من النوم، متمنياً أن يتركه والده..لكن الأب ثار وأصر على سؤاله ..أين كنت يا ولد ؟
الابن وقد اتجه بخطواته إلى غرفته:أرجوك..يا والدي ..لندع الحديث إلى وقت آخر..لقد مضى من عمري أكثر من ثلاثين عاماً..ولا تزال تناديني بالولد!!
شعر الأب بضغط الدماء المتصاعدة الى رأسه : ولد..وستبقى كذلك ،طالما أتنفس هواء هذه الحياة !
ياسر:حسناً يا والدي..لك ذلك..والآن أرجوك دعني..اذهب لغرفتي ..هناك أمور يجب أن أنجزها قبل أن اترك البيت من جديد.
الأب لا يزال مصراً: أجبني يا ياسر…أين كنت ؟ وما هذه الضمادات التي تلف رأسك؟..هل شاركت في مسيرة هذا الأسبوع ؟
ياسر: نعم شاركت.. إنها ضربة هراوة ..لا تقلق!
الأب: هل تجتمع بأصدقائك المشاكسين ؟ ما الذي تريدونه من لقاءاتكم ؟..انتم تجلبون المشاكل إلى البلد..ما الذي ينقصكم ؟أوضاعكم أفضل من غيركم ؟
توجه الابن إلى والده يريد أن يقصر المسافة بينهما، حتى لا يخرج صوته عالياً: اعلم - يا والدي - أن حالي أفضل بكثير من أناس اعرفهم..لكن انظر إلي …أنا وزملائي الذين تنعتهم بالمشاكسين، لم يعد لنا مستقبل في هذا البلد ! ..صرفت كل مدخراتك على تدريسي ..وها انا عاطل عن العمل منذ سبعة أعوام..لم اجد لا وظيفه حكومية ولا خاصة .ولا تزال والدتي تمرر لي بعض المصروف، كأختي العاطلتين عن العمل ،ومن خجل ارتمائي في البيت اعمل في مكتبة والد صاحبي ..أساعده في تصوير الكتب لطلاب الجامعة ..حتى لا يقال أننا نترفع عن العمل ،وأننا نريد الجلوس خلف المكاتب…انظر لي يا والدي..أنا لا استطيع الزواج في هذا الغلاء الفاحش ولا حتى تكوين عائله ..أنا وزملائي قطعت بنا السبل في هذا الوطن ، حتى الهجرة، أصبحت محرمةً علينا ..يضعون العراقيل ويخضعونا للمراقبة في كل مكان..لأننا عرب .
صمت الأب وهو يراقب ولده وقد استشعر ألمه وغضبه معاً ..غير قادر على تقديم حل ، قائلا له :نحمد الله على الأمن والآمان يا ولدي..انظر إلى البلاد حولنا ..يعيشون في فوضى ولا يؤتمن على بناتهم وأولادهم من الخروج إلى الشارع ..ألا تخاف على أمك وأختيك ؟
ياسر بألم شديد : الشعوب تثور على الظلم والاستبداد ..والفساد الذي نهب البلاد ..إن
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ